تفاصيل المدونة

الحمد لله عظيم الشان، الملك ذي المجد والسلطان، ﴿خَلَقَ الْإنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾ [الرحمن: 3، 4]، والصلاة والسلام على خير الأنام، البشير من عدنان، محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ما تعاقب الزمان.

 

أما بعد:

فاعلم - رحمك الله - أن العلم بالله تبارك وتعالى أصل الأشياء كلها، حتى إن العارف بالله حق المعرفة يستدل بما عرف من أسمائه وصفاته على ما يفعله وعلى ما يشرعه من الأحكام؛ لأنه سبحانه وتعالى لا يفعل إلا ما هو مقتضى أسمائه وصفاته، فأفعاله كلها دائرة بين العدل والفضل، والحكمة والرحمة.

 

فصل:

وربنا سبحانه وتعالى قد خلق الخلق ليعرفوه ويعبدوه، يعرفوه بأسمائه وصفاته، ويعبدوه بالتوحيد، وهذه هي الغاية المطلوبة منهم، والاشتغال بذلك اشتغال بما خُلق العبد له، وتركه وإهماله إهمال لما خلق العبد له.

 

فصل:

ولما كان الإيمان بالله جل وعلا أصل الأصول، وأول أركان الإيمان، وكانت حقيقة الإيمان أن يعرف العبد ربه الذي يؤمن به معرفةً يصل بها إلى اليقين، ويبلغ بها مرتبة الإحسان، كان الارتباط وثيقًا بين الإيمان ومعرفة الرحمن؛ فبحسب بمعرفته سبحانه وتعالى يكون الإيمان؛ فإن صحت المعرفة صح الإيمان، وإن فسدت المعرفة فسد الإيمان، وكلما زادت معرفة العبد بالله زاد إيمانه به، وزاد حبه له، وزاد تعظيمه له، وزادت خشيته إياه؛ قال نبينا صلى الله عليه وسلم: ((فوالله إني لأعلمهم بالله، وأشدهم له خشية))؛ [البخاري: ٦١٠١].

 

فصل: 

ومعرفة الله تعالى نوعان:

1- أحدهما: معرفة إقرار: وهذه اشترك فيها الناس جميعًا؛ الأبرار والفجار.

 

2- والآخر: معرفة حب وتعظيم وإجلال: وهذه حقيقة الإيمان بالله؛ فإن المحبة والتعظيم والإجلال فروع عن المعرفة، فمن لم يعرف ربه حق المعرفة، فلن يحبه المحبة اللائقة به، ولن يعظمه التعظيم الذي يستحقه، ولن يقدره حق قدره، ومتى صحت هذه المعرفة للعبد أثمرت له ثمرات: منها: السكون والطمأنينة والرضا وذوق طعم الإيمان، وذلك لمعرفته ربه بالعدل، والحكمة، والعلم، والرحمة، وحسن الاختيار، فكلما كان به أعرف كان به أرضى، فإن ضعفت هذه المعرفة ضعف معها الرضا بحسبها، فإن عدمت عدم.

 

ومنها: دوام المراقبة، وبلوغ مقام الإحسان؛ فإن المراقبة ثمرة علم العبد بأن الله تعالى رقيب، وأنه يسمع ويرى، وأنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فمن كان بالله أعرف كان له أخوف، وإن قلت هذه المعرفة، قلَّ معها خوف العبد وحياؤه من ربه.

 

فصل:

ومعرفة الله تعالى لها بابان واسعان ذكرهما أبو عبدالله ابن القيم في "الفوائد":

1- أحدهما: التأمل والتفكر في آيات القرآن كلها، والفهم الخاص عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

 

2- والآخر: التفكر في آياته المشهودة، وتأمل حكمته فيها وقدرته ولطفه وإحسانه وعدله، وقيامه بالقسط على خلقه.

 

فإن الله تعالى يدعو عباده في القرآن إلى معرفته من طريقين:

1- الطريق الأول: النظر في مفعولاته من أصناف المخلوقات وأنواع الموجودات، وهذه آياته المشهودة.

 

2- والطريق الثاني: التفكر في آيات كتابه وتدبرها، وهذه آياته المسموعة.

 

فمن النوع الأول: قوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: 164]، وقوله: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [آل عمران: 190]، وغيرها من الآيات.

 

ومن النوع الثاني: قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [ص: 29]، وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ ﴾ [المؤمنون: 68]، وقوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 82]، وقوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ [محمد: 24]، وغيرها أيضًا.

 

والنوع الأول دليل على صدق النوع الثاني؛ فالمفعولات شاهدة تصدق الآيات المسموعات، منبهة على الاستدلال بالآيات المصنوعات.

 

قال الله تعالى: ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ [فصلت: 53]؛ أي: إن القرآن حق؛ فأخبر سبحانه أنه لا بد أن يريهم من آياته المشهودة ما يبين لهم أن آياته المتلوة حق.

 

وجماع النوعين: فقه معاني أسماء الله الحسنى، وتعلقها بالخلق والأمر؛ فيكون العبد فقيهًا في أوامر الله ونواهيه، فقيهًا في قضائه وقدره، فقيهًا في أسمائه وصفاته، فقيهًا في أحكامه الشرعية الدينية، وأحكامه الكونية القدرية.

 

والكتاب والسنة صِنوان في هذا الباب، وهو الخبر عن الله تعالى؛ فمن تدبر القرآن وأجاره من التحريف والتكلف، وصانه من آراء المتكلمين ووساوس الشياطين، أشهده القرآن ملكًا قيُّومًا، عالٍ على خلقه، فوق سماواته، مستوٍ على عرشه، يأمر وينهى، ويدبر الأمر، ويرسل الرسل، وينزل الكتب، ويحيي ويميت، ويثيب ويعاقب، ويرضى ويغضب، ويعطي ويمنع، ويعز ويذل، ويخفض ويرفع، ويسمع ويرى، ويعلم السر وأخفى، موصوفًا بكل كمال، منزهًا عن كل عيب، لا إله غيره، ولا رب سواه، فلا حركة ولا سكون، ولا نفع ولا ضر، ولا عطاء ولا منع، ولا قبض ولا بسط، إلا بقدرته وتدبيره وأمره، وكذلك إذا نظر العبد في السنة، وتفكر في أحاديث المعصوم صلى الله عليه وسلم في الإخبار عن الله تعالى؛ فالسنة وحي ثانٍ أوحاه الله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم لإكمال الرسالة وتمام البلاغ.

 

فصل:

واعلم - هُديتَ - أن توحيد الأسماء والصفات من الإيمان بالله تعالى، وأن الذي يؤمن بالله جل وعلا لا بد أن يؤمن به متصفًا بصفات الجلال والجمال والكمال، له الأسماء الحسنى والصفات العلى، متفردًا بهذه الأوصاف، ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11]، ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 4].

 

فصل:

وربنا سبحانه وتعالى هو الرب العظيم الملك، الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى؛ فله سبحانه كل اسم حسن دالٍّ على صفة كمال عظيمة؛ فكل اسم من أسمائه دال على جميع الصفة التي اشتُّق منها، مستغرق لجميع معناها؛ فهو الرحيم الذي له الرحمة الواسعة التي وسعت كل شيء، وهو العليم الذي له العلم الواسع الذي أحاط بكل شيء علمًا، فلا يخرج عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وهو القدير الذي له القدرة المطلقة، لا يعجزه شيء أبدًا، بيده الملك وهو على كل شيء قدير، وأسماء الله وصفاته كثيرة، لا يعلمها ولا يحصيها إلا الله وحده لا شريك له.

 

وجميع أسمائه حسنى بالغة في الحسن غايته؛ فمن حسنها: أنها ليست أعلامًا محضة، بل هي أسماء وأوصاف دالة على الكمال والجمال والجلال.

 

ومن حسنها: أنها دالة على الصفات الكاملة، وأن له سبحانه من كل صفة أكملها وأعمها وأجلها.

 

ومن حسنها: أنها كلها أسماء دالة على المدح، فليس فيها اسم لا يدل على المدح والحمد.

 

ومن حسنها: أن الله تعالى قد أمر عباده أن يدعوه بها؛ فقال: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ [الأعراف: 180].

 

ومن حسنها: أننا مرغَّبون في إحصاء مائة منها؛ ففي الحديث المتفق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة))؛ [البخاري: ٧٣٩٢].

 

فصل:

ومنهج أهل السنة والجماعة من السلف الصالح أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين: إثبات أسماء الله وصفاته كما وردت في الكتاب والسنة، وذلك تبعًا لقواعد؛ وهذه أهمها:

القاعدة الأولى: أنهم يقتصرون على الوارد في الكتاب والسنة من أسماء الله وصفاته، ولا يتجاوزونه؛ فما أثبته الله ورسوله أثبتوه، وما نفاه الله ورسوله نفوه، وما سكت الله ورسوله عنه سكتوا عنه.

 

القاعدة الثانية: أنهم يثبتون أسماء الله وصفاته كما وردت في الكتاب والسنة على ظاهرها وما تدل عليه من المعاني، لا يؤوِّلونها عن ظاهرها ولا يحرفون ألفاظها ودلالاتها عن مواضعها.

 

القاعدة الثالثة: أنهم ينفون عنها مشابهة ومماثلة صفات المخلوقين؛ كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11].

 

القاعدة الرابعة: أنهم لا يبحثون عن كيفية صفات الله تعالى، ويفوضونها إليه مع تفسيرهم وفهمهم لمعناها؛ فأسماء الله وصفاته محكمة المعاني متشابهة الكيفية.

 

وبالجملة: فإنهم يقولون في صفات الله عز وجل كما يقولون في ذاته، ويثبتون له صفات لا تشبه صفات المخلوقين؛ لأن ذاته سبحانه لا تشبه ذوات المخلوقين.

 

ويعتقدون أن كل كمال وُصف به المخلوق، فإن الخالق أولى به وله منه المثل الأعلى، بشرط أن يكون أثبته لنفسه في كتابه، أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [النحل: 60].

 

فالمخلوق - مثلًا - يُوصَف بالعلم، وقد أثبت الله لنفسه العلم، فهو العليم الحكيم، وهو عالم الغيب والشهادة، وعلَّام الغيوب، فله المثل الأعلى من هذه الصفة؛ فعلمه سبحانه وتعالى أوليُّ أزلي، واسع محيط، وسع كل شيء علمًا، أحاط علمه بسائر الأشياء، بخلاف علم المخلوق فإنه مسبوق بجهل، ملحوق بنسيان وضياع، يتخلله الذهول، وهو إن علم شيئًا غابت عنه أشياء، وإن علم شيئًا على حقيقته، علم غيره على غير حقيقته.

 

كذلك يوصف المخلوق بالحياة، وقد أثبت الله لنفسه الحياة، فهو الحي القيوم، فله المثل من هذه الصفة؛ فحياته على أكمل ما يكون؛ فهي صفة أولية فيه، وهو حي لا يموت ولا ينسى ولا يغفل ولا ينام: ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ﴾ [البقرة: 255]، وأما المخلوق فحياته ناقصة، مسبوقة بالعدم، ملحوقة بالموت، متخللة بالسِّنَةِ والنوم، والغفلة والإغماء والجنون، وغير ذلك من العوارض والآفات.

 

فسبحان الملك القدوس، عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم: ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾ [طه: 8].

 

روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلًا على سرية، وكان يقرأ لهم في صلاتهم فيختم بـ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 1]، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: سَلُوه لأي شيء يفعل ذلك، فسأله، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أخبروه أن الله يحبه))؛ [البخاري: ٧٥٧٣].

 

فصل:

وربنا تبارك وتعالى هو خالق كل شيء ومالكه، بيده مقاليد الأمور، له العظمة والجلال؛ فهو رب العالمين، ومالك يوم الدين، عظيم في ذاته، عظيم في أسمائه وصفاته، عظيم في خلقه وأمره، عظيم في دينه وشرعه، عظيم في ملكه وسلطانه، تفرد بالخلق والإيجاد، والملك والتدبير، والتصريف والتقدير: ﴿ يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ [الرحمن: 29]، يخلق ويرزق، ويحيى ويميت، ويعز ويذل، ويعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، ويقبض ويبسط، لا رادَّ لقضائه، ولا معقب لحكمه، سواء عنده من أسرَّ القول ومن جهر به، العز إزاره، والكبرياء رداؤه، وهو القوي الذي خضعت الأعناق لعظمته، وخشعت الأصوات لهيبته، وذلَّ الأقوياء لقوته، وقهر الخلائق بقدرته، وله سبحانه الكمال في كل شيء.

 

فمن كانت هذه صفاته، حُقَّ له أن يعظم ويجل، وأن يُوقَّر ويُقدر حق قدره؛ قال الله تعالى: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [الزمر: 67].

 

عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ((جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد، إنا نجد - يعني في التوراة - أن الله يجعل السماوات السبع على إصبع، والشجر على إصبع، والماء على إصبع، والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيقول: أنا الملك، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقًا لقول الحبر، ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ [الزمر: 67]))؛ [البخاري: 4811، ومسلم: 2786].

 

فسبحان الله! ما أعظمه وأكبره وأجله وأقدره!

 

في صحيح مسلم: ((العز إزاره، والكبرياء رداؤه، فمن ينازعني عذبته))؛ [مسلم: 2620].

 

فمن مظاهر عظمته سبحانه: أنه لما تجلى للجبل جعله دكًّا وخر موسى صعقًا.

ومن عظمته: أن الملك بيده، يؤتيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء.

ومن عظمته: أنه يدرك الأبصار ولا تدركه الأبصار.

ومن عظمته: أنه قريب مع علوه، رحيم مع عزته، حليم مع قوته... وغيره كثير؛ فمظاهر عظمته سبحانه وتعالى لا تعد ولا تحصى.

 

فعلى العبد وقد عرف ربه حق المعرفة، عرفه بأسمائه وصفاته وأفعاله وآثاره في الأرض - أن يعظِّمَه حق التعظيم، ويقدره حق قدره؛ فيعظمه بقلبه ولسانه وجوارحه؛ فيتقيَه حق تقاته، ويشكره ولا يكفره، ويذكره ولا ينساه، ويطيعه ولا يعصيه.

 

قال ابن القيم رحمه الله في «مدارج السالكين»: "هذه المنزلة تابعة للمعرفة؛ فعلى قدر المعرفة يكون تعظيم الرب تعالى في القلب، وأعرف الناس به أشدهم له تعظيمًا وإجلالًا، وقد ذم الله تعالى من لم يعظمه حق عظمته، ولا عرفه حق معرفته، ولا وصفه حق صفته؛ قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ﴾ [نوح: 13]؛ قال ابن عباس ومجاهد: لا ترجون لله عظمة، وقال سعيد بن جبير: ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته.

 

وروح العبادة هو الإجلال والمحبة؛ فإذا تخلى أحدهما عن الآخر فسدت؛ أي: العبادة"؛ ا.هـ.

 

فمن تعظيمه سبحانه: تعظيم شرعه: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾ [الحج: 32].

 

ومن تعظيمه سبحانه: تعظيم حرماته: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ﴾ [الحج: 30].

 

ومن تعظيمه سبحانه: توحيده في العبادة، ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ [الأنعام: 102].

 

فالعظيم حقه عظيم؛ فحقه سبحانه أن يُعبَد وحده لا شريك له، وأن يُطاع أمره، وأن تطاع رسله فيُعبد بما شرعه لهم، وأن يُشكر فلا يكفر، وأن يُذكر فلا يُنسى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 71].

 

فصل:

والعبد لا يمكنه أن يحقق العبودية الكاملة لله تعالى إلا مع تحقيق تعظيمه، بل إن توحيد العبد يكون على حسب تعظيمه للواحد الأحد؛ فإذا امتلأ القلب تعظيمًا لله وحده كمل توحيد العبد، وإذا نقص تعظيمه من القلب نقص توحيد العبد، فإذا لم يكن هناك تعظيم لم يكن هناك توحيد ولا عبودية.

 

وإذا عظم في القلب شيء كتعظيم الله، فقد أشركه العبد مع الله؛ لذلك نُهينا عن الحلف بالآباء أو غيرهم، ولم يشرع لنا الحلف إلا بالله، أو اسم من أسمائه، أو صفة من صفاته؛ لأن الحلف تعظيم للمحلوف به؛ فهو حق الله العظيم وحده.

 

فصل:

ولما كان تعظيم الله عز وجل وإجلاله لا يتحقق إلا بإثبات الصفات لله عز وجل كما يليق به سبحانه وتعالى من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، كان المنكرون لشيء من صفات الله عز وجل غير معظمين لربهم حق التعظيم، وكأنهم ما قدروا الله حق قدره، ولا عرفوه حق معرفته؛ فإنه سبحانه وتعالى سمى نفسه في كتابه: (العظيم) و(الكبير) و(العلي) و(المجيد) و(العزيز)، وهذه الأسماء تفيد أنه سبحانه وتعالى موصوف بالعظمة والمجد والجلال والعلو والكبرياء.

 

يقول الشنقيطي في "منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات": "إن الإنسان إذا سمع وصفًا وصف به خالق السماوات والأرض نفسه، أو وصفه به رسوله، فليملأ صدره من التعظيم ويجزم بأن ذلك الوصف بالغ من غايات الكمال والشرف والعلو ما يقطع جميع علائق أوهام المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين؛ فيكون القلب منزهًا معظمًا له جلَّ وعلا، غير متنجس بأقذار التشبيه"؛ ا.هـ.

 

إن تعظيم الله عز وجل شيء يملأ القلب بحبه وحده، وخوفه وحده، ورجائه وحده، وخشيته وحده، وهيبته وحده، والتوكل عليه وحده، والتعلق به وحده، والرضا به ربًّا وإلهًا معبودًا واحدًا؛ فيصير العبد متعلقًا بالله عز وجل وحده في القصد والطلب؛ فيقصده بالصالحات وحده، ويتمها ويحسنها تعظيمًا لجلاله سبحانه وتعالى، ويطلب منه وحده، ويعلق آماله عليه وحده لعلمه بكمال عظمته، وهذه هي حقيقة التوحيد ولب العبودية وروحها.

 

وقد قيل: إن العبادة هي تعظيم الله بتوحيده وطاعته بامتثال أوامره طلبًا ونهيًا.

اللهم املأ قلوبنا بتعظيمك

حتى لا نرجو سواك ولا نسأل غيرك.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.



رابط الموضوع: https://www.alukah.net/sharia/0/148453/%D9%85%D8%B9%D8%B1%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-%D8%B9%D8%B2-%D9%88%D8%AC%D9%84-%D9%88%D8%AA%D8%B9%D8%B8%D9%8A%D9%85%D9%87/#ixzz7MBdDOFdk

  • مشاركه